الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

439

تفسير روح البيان

فضلة بالنسبة إلى الآكل والأجزاء الأصلية للآكل وهي ما كان قبل الاكل هي التي تجمع وتعاد مع الآكل والاجزاء المأكولة مع المأكول واللّه بكل خلق عليم يعلم الأصل من الفضل فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ فيه الروح وكذلك يجمع الاجزاء المتفرقة في البقاع المتباعدة بحكمته وقدرته قال بعض الأفاضل لما كان تمسكهم بكون العظام رميمة من وجهين . أحدهما اختلاط اجزاء الأبدان والأعضاء بعضها مع بعض فكيف يميز اجزاء بدن من اجزاء رميمة يابسة جدا مع أن الحياة تستدعى رطوبة البدن . أشار إلى جواب الأول بقوله ( وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) فيمكنه تمييز اجزاء الأبدان والأعضاء . وإلى جواب الثاني بقوله الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً بدل من الموصول الأول وعدم الاكتفاء بعطف الصلة للتأكيد ولتفاوتها في كيفية الدلالة . والشجر من النبت ماله ساق . والخضرة أحد الألوان بين البياض والسواد وهو إلى السواد أقرب فلهذا سمى الأسود اخضر والأخضر اسود . وقيل سواد العراق للموضع الذي تكثر فيه الخضرة ووصف الشجر بالأخضر دون الخضراء نظرا إلى اللفظ فان لفظ الشجر مذكر ومعناه مؤنث لأنه جمع شجرة كثمر وثمرة والجمع مؤنث لكونه بمعنى الجماعة . والمعنى خلق لأجلكم ومنفعتكم من الشجر الأخضر كالمرخ والعفار نارا والمرخ بالخاء المعجمة شجر سريع الورى والعفار بالعين المهملة كسحاب شجر آخر تقدح منه النار قال الحكماء لكل شجر نار الا العناب فمن ذلك يدق القصار الثوب عليه ويتخذ منه المطرقة والعرب تتخذ زنودها من المرخ والعفار وهما موجودان في أغلب المواضع من بوادي العرب يقطع الرجل منهما غصنين كالمسواكين وهما أخضران يقطر منهما الماء فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار وهو أنثى فتنقدح النار بإذن اللّه تعالى وذلك قوله تعالى فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ إذا للمفاجأة والجار متعلق بتوقدون والضمير راجع إلى الشجر [ والإيقاد : آتش افروختن ] اى تشعلون النار من ذلك الشجر لا تشكون في انها نار تخرج منه كذلك لا تشكون في ان اللّه يحيى الموتى ويخرجهم من القبور للسؤال والجزاء من الثواب والعقاب فان من قدر على احداث النار وإخراجها من الشجر الأخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها بكيفية كان أقدر على إعادة الغضاضة إلى ما كان غضا فطرأ عليه اليبوسة والبلى وعلم منه ان اللّه تعالى جامع الاضداد ألا يرى أنه جمع الماء والنار في الخشب فلا الماء يطفئ النار ولا النار تحرق الخشب ويقال إن اللّه تعالى خلق ملائكة نصف أبدانهم من الثلج ونصفها من النار فلا الثلج يطفئ النار ولا النار تذيب الثلج وفي الآية إشارة إلى شجر اخضر البشرية ونار المحبة فمصباح القلوب انما يوقد منه قال بعض الكبار ظاهر البدن من عالم الشهادة والقلب من عالم الملكوت وكما تنحدر من معارف القلب آثار إلى الجوارح فكذلك قد ترتفع من أحوال الجوارح التي هي من عالم الشهادة آثار إلى القلب والحاصل انه ينقدح الظاهر بالأعمال فيحدث منها نور يتنور به البال ويزيد الحال ادخلوا الأبيات من أبوابها * واطلبوا الأغراض من أسبابها نسأل اللّه الدخول في الطريق والوصول إلى منزل التحقيق أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ